الجمهورية المصرية للواءات المتقاعدين

مقال خطير وهام جدا نشرته مجلة فورين بوليسى العالمية اليوم – يرسم صورة دقيقة عن كيف أصبحت مصر كلها فى يد حفنة من لواءات الجيش المتقاعدين – وكيف أن تقدمنا يجب أن يبدأ بإستعادة مصر من هؤلاء أولاَ

“فورين بوليسي”: الجمهورية المصرية للجنرالات المتقاعدين

2012-5-9 | خدمة العصر

د. زينب أبو المجد / الأستاذة المساعدة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة: “فورين بوليسي” – 08/05

التقاعد بالنسبة للعديدين هو وقت للتفرغ والإنفاق الحذر من حصيلة معاشات تقاعدية أو مدخرات السنوات السابقة، إلا أن كبار ضباط الجيش المصري ليسوا من بين أغلب الناس في العالم.

يتقاعد الضابط المصري من وظيفته العسكرية ليصبح محافظا أو رئيس مجلس مدينة أو يدير مصنع أو شركة تملكها الدولة أو المؤسسة العسكرية، وقد يصل لإدارة ميناء أو شركة نفط كبيرة، ولحسن حظه فهو يحتفظ أيضا بمعاش القوات المسلحة، بالإضافة لمرتبه العالي من وظيفته المدنية الجديدة.

هذه المجموعة المحظوظة تتقلد كل منصب هام في الدولة وتجعل من مصر جمهورية للجنرالات المتقاعدين بامتياز.

مع اقتراب موعد أول انتخابات رئاسية مصرية في عهد ما بعد مبارك والمزمع إجراؤها في نهاية شهر مايو، يتنافس معظم المرشحين بمواقفهم وخلفياتهم السياسية المتباينة في الإعلام، ويجوبون المحافظات بالكثير من الوعود، بداية من الأمن للتعليم للسياسة الخارجية، لكن وسط هذا المناخ المزدحم يظل الصمت يخيم على أكثر الأسئلة حساسية وأهمية، وهو: هل سيستطيع أي مرشح فائز أن يخضع المؤسسة العسكرية لسلطته المدنية؟

من المنتظر أن تأتي هذه الانتخابات بأول رئيس مدني لمصر بعد حكم دام أكثر من ستين عاما للجنرالات، عاملين أو متقاعدين، بعد أن حُكمت مصر من طرف ثلاثة رؤساء عسكريين ومجلس عسكري مؤخرا مكون من أعضاء مسنين.

الحقائق غير المعلنة عن كيفية إدارة هذه الجمهورية من الجنرالات المتقاعدين صادمة للغاية. ينتشر الضباط الأعلى رتبة في الجيش في كل مكان، من قناة السويس وحتى الشركة الوطنية للصرف الصحي، في حين أن خطابات جميع المرشحين الرئاسيين تتحاشى الاعتراف بهذا الوضع، غير مهتمة بقضية مدنية الدولة.

بدأت سيطرة العسكريين تاريخيا على المناصب المدنية منذ عهد جمال عبد الناصر ونظامه الاشتراكي في الستينات، قلت السيطرة في عهد السادات مع محاولته لتهميش دور المؤسسة العسكرية في الحكومة في السبعينات، ثم عادت لتشهد تضخما مفاجئا في السنوات الأخيرة من حكم مبارك.

وفي محاولات مبارك لتوريث الحكم لابنه جمال، أراد أن يضمن ولاء الجيش ويقضي علي أي معارضة محتملة بتعيين قادة الجيش في وظائف اقتصادية وإدارية.

وقد شهدت الأربعة عشر شهرا الأخيرة منذ تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة حكم البلاد بعد تنحي مبارك زيادة ملحوظة في تقلد العسكريين وظائف مدنية، وباستغلال السلطة الرئاسية استطاع المجلس أن يقلد العديد من الضباط المتقاعدين مناصب مدنية، والتي وافق عليها رئيسا الوزراء فاقدي الصلاحيات مذيلين خطابات التعيين بإمضائهما عن طيب خاطر.

القانون المصري لنظام العاملين المدنيين بالدولة ساعد على تفاقم هذا الوضع، حيث تسمح سلطة الرئيس بتعيين وفصل شاغلي الوظائف السيادية، مشتملة المحافظين ومديري القطاعات العامة.

أصدر السادات قانون رقم 47 لسنة 1977 من أجل القضاء على تركة ناصر وتقليل الوجود العسكري في مجلس الوزراء، وقد استخدم مبارك القانون نفسه ليعيد هذه الهيمنة العسكرية مرة أخرى.

تنص المادة 16 من هذا القانون على أـن “التعيين في الوظائف العليا يكون بقرار من رئيس الجمهورية”، وعلى الرغم من نص القانون على ضرورة التأكد من مناسبة الحالة الصحية للمرشح للمنصب قبل تعيينه، إلا أن المادة 20 من القانون نفسه تعفي المرشح من هذا الإجراء إذا تم تعيينه عن طريق رئاسة الجمهورية، وهو الوضع المناسب للمتقاعدين من ضباط الجيش في سنوات عمرهم المتقدمة.

مادة أخرى تعفي المرشحين من قبل الرئيس من خوض أي امتحان لإثبات مدى أهليتهم لأي منصب وتمنح حق فصلهم لرئيس الجمهورية فقط.

في عام 1992 عدّل مبارك هذا القانون ليسمح للرئيس بأن يأمر بعدد لا محدود من التعديلات في شروط التعيين في الوظائف السيادية. ومنذ العام الماضي يتمتع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بهذه السلطة القانونية الاستثنائية بشغله منصب الرئيس.

على الجانب الآخر، لم يذكر قانون القوات المسلحة أي شيء يتعلق بتخصيص وظائف مدنية للضباط المتقاعدين، حيث ظلت تلك العملية تدار بشكل غير رسمي.

كما ينظم قانون التقاعد العسكري، قانون التقاعد العسكري رقم 90 لعام 1975 قواعد التعويض المادي والمعاشات بناء على الرتبة في نهاية الخدمة العسكرية، لكنه لا ينص على أي مواد لها علاقة بمنع أو منح الضباط المتقاعدين على وظائف جديدة.

المعاشات في صورتها المساوية للمرتب الشهري دون العلاوات الإضافية المرتبطة بفترة شغل الوظيفة تقدر بين 400 و500 جنيه. في فبراير 2011 بعد مضي خمسة أيام على حل برلمان عهد مبارك، استخدم المجلس الأعلى للقوات المسلحة سلطته غير المحددة ليعدّل قانون التقاعد ويضيف نسبة زيادة 15 بالمائة في المعاشات، ولكن هذا لا يزال غير كافٍ لتغطية تكاليف المعيشة في مصر، وبالتالي فالوظائف المدنية بمرتباتها المعقولة هي التكملة لمبالغ المعاشات غير المرضية.

الطبقة الخاصة بالمديرين العسكريين تزداد كل عام مع تقاعد المزيد منهم. وللحفاظ على النظام الهرمي للمؤسسة العسكرية، تقوم المؤسسة بإعفاء عدد من الضباط برتبة عقيد وعميد من الخدمة مع بلوغهم سن الأربعين، وهذا يشجع عدد قليل فقط للوصول إلى رتب لواء، فريق، مشير والذين يتقاعدون في الخمسين من عمرهم.

السن النسبي الصغير للضباط المحالين على التقاعد من الخدمة العسكرية يشكل مبررا جيدا ليقوم الجيش بإدراجهم في وظائف مدنية بحجة ألا يستخدموا تدريبهم المحترف في أنشطة تضر بالأمن القومي، واعتمادا على الرتبة التي يترك عليها الضابط الخدمة العسكرية ودرجة ولائه للقادة يستطيع أن يحصل على أي شيء، بداية من وظيفة مرموقة كمحافظ أو وظيفة علاقات عامة في مكتب أي قيادة عسكرية.

يحصل الضباط الراغبون في تقلد وظائف مدنية على دورات تدريبية في مجال إدارة الأعمال في مراكز تدريب حكومية، على سبيل المثال، في مركز إعداد القادة لإدارة الأعمال يحضرون دورات قصيرة تمتد من أيام قليلة إلى عدة أسابيع عن الإدارة والإعداد القيادي، إدارة الموارد البشرية والمهارات الشخصية.

ويذكر المركز قائمة القطاعات التي يفضل العسكريون السيطرة عليها، كشركات البترول، البناء، الكيماويات، الأسمنت، معالجة الأطعمة وغيرها الكثير.

أما الجنرالات المتقاعدون، فيفضلون شغل وظيفة الإدارة في مجالين، هما الوظائف الإدارية العليا والشركات الاقتصادية التي يمتلكها القطاع العسكري.

من أجل الحفاظ على الطابع المدني للدولة تجد قلة من الرتب العسكرية فقط هي التي تشغل وظائف وزراء، مثل وزير قطاع التنمية ووزير المعلومات والإعلام.

خارج مجلس الوزراء يفضلون أماكن معينة، حيث تتركز فيها السيطرة والثروة، وعلى هذا، تجد 18 من أصل 27 محافظة في شمال وجنوب مصر يديرها جنرال متقاعد.

هذه المحافظات تمثل أماكن هامة كقطاعات السياحة في جنوب مصر، محافظات قناة السويس، سيناء، أحيانا الإسكندرية وبعض مناطق الدلتا.

هذا بالإضافة لشغلهم وظائف سكرتير عام المحافظة ومسئولية بعض المدن الصغيرة ورئاسة بعض الأحياء القاهرية المزدحمة الثري والفقير منها على السواء.

ونجد أن قطاع البترول متحكم فيه العسكريون بشدة، حيث يتحكم الجنرالات المتقاعدون في العديد من شركات البترول والغاز الطبيعي، كما يحاولون السيطرة على قطاع النقل التجاري.

رئيس هيئة قناة السويس هو فريق سابق، رؤساء مواني البحر الأحمر جنرالات متقاعدون كما هو الحال مع مدير شركة النقل البري والبحري.

في وزارة الصحة، مساعد الوزير للشئون المالية والإدارية جنرال متقاعد، بالإضافة لآخرين في العديد من الوظائف الإدارية في الوزارة. وهناك العشرات من الجنرالات المتقاعدين في وزارة البيئة.

رئيس المحكمة الدستورية العليا الآن هو القاضي فاروق سلطان، كان في بداياته ضابط جيش خدم كقاضي في المحاكم العسكرية، ويشغل حاليا منصب رئيس اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، المثير للسخرية أن الجنرالات المتقاعدين دائما يسيطرون على الوظائف الحكومية المتعلقة بالإشراف، كاللواء المتقاعد رئيس منظمة الهيئة الرقابية بمكاتبها التي تنتشر في كل أنحاء البلد متخمة بموظفين من الجيش.

مع بداية الألفية الثانية، قرر مبارك خصخصة القطاع العام، وبدأ ابنه جمال في الإسراع بتنفيذ هذه الخطة، وقد حولا سويا مؤسسات القطاع العام إلى شركات قابضة تضم تحت مظلتها شركات القطاع العام التي تشترك في أعمال متشابهة. والدولة أصدرت هذا القرار تمهيدا لبيع تلك الشركات في النهاية.

لواءات وجنرالات الجيش وجدوا أنفسهم في كل شركة قابضة بكل الشركات التابعة لها، وحين علق المجلس العسكري قرار الحكومة السابقة بخطة الخصخصة، كان خبرا سعيدا لهؤلاء الجنرالات لأن السيطرة ستظل لهم دون منافسة من رجال الأعمال، الذين كان بإمكانهم شراء هذه الشركات كالشركة القابضة للمياه والصرف الصحي، مصر للسياحة، الأطعمة والأسمنت في القاهرة و فروعهم.

علاوة على ذلك، استطاع الجنرالات المتقاعدون إدارة شركات كبيرة تملكها المؤسسة العسكرية، تنتج بضائع وخدمات للاستهلاك العام وليس للقطاع العسكري.

وهذا يشمل سلاسل من مصانع، شركات خدمية، مزارع، طرق، محطات بنزين، محلات “سوبرماركت” وما هو أكثر.

وهناك ثلاثة كيانات عسكرية تنتج خدمات مدنية: وزارة الإنتاج الحربي، والتي تدير 8 مصانع، الهيئة العربية للتصنيع، والتي تدير 12 مصنعا، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية ويدير 15 مصنعا وشركات ومزارع.

وهذه الكيانات تنتج عددا هائلا من السلع، كسيارات الجيب، حضانات الأطفال، أنابيب البوتجاز، الأنابيب البلاستيكية، الأطعمة المعلبة، اللحوم والدواجن وغيرها، كما تقدم خدمات مثل التنظيف المنزلي وإدارة محطات الغاز.

وبينما يبدو هذا التنظيم مناسبا للجنرالات المتقاعدين، فإنه لا يعني أن الجميع سعيد بهذا. يعبِّر المدنيون العاملون تحت لواء هذه الشخصيات العسكرية عن عدم رضاهم المستمر بسبب الإدارة السيئة، الفساد وغياب العدالة.

في الأربعة عشر شهرا الأخيرة بعد تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة، حدثت العديد من الإضرابات والاعتصامات في الشركات المدارة من قبل جنرالات متقاعدين، وكان المديرون في أكثرها يستعينون بالشرطة العسكرية لإنهاء الإضراب. كما شهدت مصانع عسكرية تظاهرات واسعة، وكذا موانئ قناة السويس، البحر الأحمر، شركات البترول، مصنع للأسمنت، مصانع للصناعات الكيميائية، ميناء الإسكندرية وشركة المياه والصرف الصحي.

فيما أدان المجلس العسكري كل الإضرابات العمالية معتبرا إياها تضر باقتصاد البلد و”ستعطل العجلة الإنتاجية”، وأكبر تلك الإضرابات حدثت في شركات ومؤسسات مدارة من قبل عسكريين. ويبدو أن الإضرابات العمالية تضر أساسا الاقتصاد العسكري أكثر من الاقتصاد القومي.

في فبراير 2011 تظاهر أكثر من 2000 عامل ومهندس في قطاع البترول بسبب حالتهم الاقتصادية السيئة وزيادة عسكرة الوظائف في هذا القطاع.

وفي الوقت الذي كانوا يتقاضون فيه مبالغ ضئيلة، كان الجنرالات المتقاعدون على رأس هذا القطاع يتلقون الآلاف.

في الشهر التالي، انضم لهم العديد من العاملين في نفس القطاع، وهذه المرة من شركات مثل بتروجيت وبتروتريد. وكان رد الجيش عليهم عنيفا، فتم الزج بالعديد منهم في السجون ليواجهوا محاكمات عسكرية.

وفي تحد واضح للمجلس العسكري جدد العاملون اعتصامهم أمام مجلس الوزراء منذ عدة أسابيع مضت، لكن البرلمان الإسلامي كان عاجزا أمام التعامل مع هذه القضية.

عمال قناة السويس نظموا مؤخرا العديد من المظاهرات ضد الظلم الذي يتعرضون له، في أحد تلك المظاهرات قام المتظاهرون بقطع طرق القطارات، وكان الرد عليهم أن حولت إدارة هيئة قناة السويس بعض منهم للمحاكمات العسكرية وسجنت البعض الآخر لتفرض الصمت على الآخرين.

عمال الهيئة العربية للتصنيع نظموا أولى تلك المظاهرات. وتضم الهيئة 12 مصنعا يديرها لواء جيش سابق هو اللواء حمدي وهيبة، كما يدير معظم المصانع الباقية جنرالات آخرون متقاعدون.

ونظم عمال أربع مصانع اعتصاما في فبراير وأغسطس العام الماضي واستعان وهيبة بالشرطة العسكرية لتفريق المتظاهرين.

العمال الغاضبون أنشأوا صفحة غير رسمية على موقع الفيس بوك ليعبروا عن غضبهم، وفي أحد تلك الصفحات تحدثت مع أحد العمال المتظاهرين، وقد أخبرني قائلا: “مشكلة الهيئة تكمن في إدارتها، حيث يديرها مجموعة من الجنرالات المتقاعدين الذين جاءوا ليحصلوا على معاش من الجيش ومرتب من الهيئة . ومشكلة الهيئة في لائحتها الداخلية التي تخول كل السلطات إلى اللواء وكأنه يمثل كلمة الله”. وقد قابلت أيضا العديد من منظمي تلك الصفحات الالكترونية الذين تمت محاكمتهم لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي في نقد الإدارة العسكرية.

بعد أن انتقدت وهيبة في أعمدة الصحف دعيت من قبل مديرها السابق لزيارة الهيئة العربية للتصنيع حتى أرى بنفسي كيف يتم معاملة العمال معاملة عادلة. استمعت للرجل ما يزيد عن ست ساعات وهو يتحدث وعرفت من خلال حديثه طريقة تفكير وعقليات المديرين العسكريين، سألته: كيف يمكن أن تشغل منصب كهذا لإدارة عدد من الشركات وأنت لا تملك أي خبرة في التصنيع؟ أخبرني ابتداء أن 70 بالمائة من إنتاج الهيئة مدني وليس عسكريا، وكانت إجابته أن الموظفين أصحاب الخلفية العسكرية هم الأفضل في مجال الإدارة لأنهم تدربوا عليها، وبالتالي أي متقدم عسكري لوظيفة مدنية سيكون هو الأفضل.

“الجيش ينتج أفضل المديرين”، هكذا قال. وفي محاولة تبرير إدارة العسكر لهذا القطاع الكبير من الشركات الاقتصادية، كشف اللواء محمود نصر -مساعد وزير الدفاع للملف الاقتصادي- عن العقلية نفسها حين قال إن كل ما في الخدمة العسكرية يتعلق بتعلم الإدارة الجيدة.

ولا يشترك أعضاء طبقة المديرين العسكريين في نفس الأصول الاجتماعية ولا ينتمون لأيديولوجيات معينة. جميعهم جاء من خلفيات اجتماعية مختلفة، وكما هو الحال بالنسبة لنخبة الطبقة الاقتصادية، فهم لم ينحدروا من عائلات غنية أو برجوازية.

الولاء هو من أوصلهم إلى تلك المناصب العليا في الجيش والمناصب المدنية الهامة لاحقا. في عهد ناصر تبنوا النهج الاشتراكي، أما الآن فهم لا ينتمون للاشتراكية أو حتى السياسات الليبرالية الجديدة، لكنهم على الحياد.

يحرص القادة على تدريب الضباط في المعسكرات على الحيادية السياسية وألا يحملوا سوى أيديولوجية واحدة هي الوطنية. الأغلبية العظمى منهم ما هم إلا أفراد يحاولون رفع الحد الأقصى من المنافع الشخصية. ومن هم في المناصب الإدارية المتوسطة يفتقرون للطموح، لكن المتربعون على عرش الوظائف العليا يمتلكون شبكات علاقات عامة جيدة، تتيح لهم الوصول للأماكن العليا في المحافظة ومجلس الوزراء.

وسط هذا الجو الغريب لبلد متخلف، تقترب الانتخابات الرئاسية لاختيار أول شخص مدني منذ 60 عاما لحكم مصر.

في غضون أسبوعين، سيتسلم الفائز –إسلامي كان أم يساري- السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وسيبدأ فورا في تنفيذ خطط طموحة لتحقيق نمو اقتصادي، لكن من أجل تطبيق تلك الخطط (المذكورة بالتفصيل في البرامج الانتخابية للمرشحين) عليه أولا أن يتخلص من الجنرالات المتقاعدين المفتقرين للمعرفة وللخبرة اللازمة المتعلقة بالتنمية الاقتصادية.

والغريب أن كل المرشحين للرئاسة من مختلف التيارات امتنعوا عن مناقشة أمر التخلص من عسكرة الدولة، حتى المرشحين الأكثر ثورية، حسب ادعائهما، القيادي الإخواني السابق عبد المنعم أبو الفتوح والناصري حمدين صباحي لم يشيرا على الإطلاق لهذه المعضلة في أي من اللقاءات الإعلامية أو المؤتمرات الشعبية. وهذا الموقف ليس واضحا إن كان ناجما عن قلة وعي أو خوف أو لإرضاء النخبة العسكرية الحاكمة.

خلال الخمس شهور الماضية فشل أو تغافل البرلمان المنتخب من الشعب بغالبيته الإسلامية عن حقيقة العسكرة العميقة لمصر حكومة واقتصادا.

ويصارع البرلمان حاليا بشكل ميؤوس منه للحصول على جزء من السلطة من يد المجلس العسكري، ومع وجود مرشحين غير واعيين بهذه القضية أو خائفين من مواجهتها، لن ينجح الرئيس المنتخب في إنهاء عسكرة الدولة.

شارك هذا الموضوع
error

One Comment

  1. بحث رائع ومذهل ..هل تتخيلوا ان ادارة الاستثمار بوزارة الاوقاف يديرها لواءات وضباط بالمعاش ؟ – وهل تتخيلوا ان هؤلاء متواجدون دائما وبكثره فى الاماكن التى بها صناديق خاصه ؟ – وهل لكم ان تصدقوا ان بعض المدارس الحكوميه يديرهاالمحالين للمعاش بمختلف الرتب – لكونهامدارس تجريبيه بمصروفات – ولها صناديق خاصه ينهب منها الجميع بدءا من الفراش وحتى مراقب الحسابات التابع للماليه وحتى عضو المركزى للمحاسبات …لقد بحث مجلس الشعب مؤخرا اصدار قانون لتنظيم الاستعانه بالخبراء الوطنيين – ولكنه قانون ناقص ولن يحل المشكله …اذ اشترط بالا يزيد سن الخبير عن 60 سنه- طيب ما انت عندك ناس طالع من الجيش على المعاش وعندها45 سنه وماسكين مناصب هامه فى عدة قطاعات .. يبقى المفروض اضافة شرط للاستعانه بالخبير او المستشار وهو الا يكون قد سبق ان تقاضى معاشا او مكافأة تهاية خدمه من جهه اخرى ..وهذا يلزم الجهات بأن تستعين بابنائهاكمستشارين او خبراء ولمدة سنه فقط … وهناك الكثير ليطرح فى هذا الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.