حل أفضل من الحد الأدنى للأجور

يعانى السواد اﻷعظم من العاملين فى مصر من تدنى اﻷجور وعدم تناسبها مع القفزات الرهيبة فى أسعار السلع والخدمات مما يجعلهم عاجزين عن الوفاء بالإحتياجات اﻷساسية ﻷسرهم – وفى نفس الوقت يتقاضى كبار العاملين فى الدولة والقطاع العام والمصانع والشركات أجور خيالية تصل الى 2 مليون جنيه شهرياً للواحد منهم – وهى أجور يحسدهم عليها العاملين فى أغنى بلاد العالم.

وقد صدر حكم للمحكمة اﻹدارية منذ أيام يلزم الحكومة بزيادة الجد اﻷدنى للأجور فى مصر ليصبح 1200 جنيه – لكن الحكومة إلتفت حول قرار المحكمة إذ أعلن المجلس القومى للأجورأنه قرر أن يكون الحد اﻷدنى 400 جنيه فقط – والمعروف أن قرارات ذلك المجلس غير ملزمة للحكومة وتعتبر إستشارية فقط – فقد سبق أن قرر المجلس القومى للأجور فى 2005 زيادة الحد اﻷدنى الى 250-300 جنيه لكن الحكومة لم تطبق ذلك وإستمر الحد اﻷدنى 35 جنيه شهرياً حتى اليوم!! – فحتى ال400 جنيه التى تعتبر ثلث ما يطالب به المواطنين مشكوك فى تنفيذها – وقد تبقى الحكومة الناس على هذا الأمل المتواضع بضعة أسابيع لحين إنقضاء موسم إنتخابات مجلس الشعب قبل أن تصدمهم بعدم قدرتها على التنفيذ – تماماً مثل تأجيلها لقرارات أخرى صادمة مثل زيادة أسعار الكهرباء والبوتاجاز والمياة ومصايب أخرى كثيرة لما بعد اﻹنتخابات

وفى تلك اﻷثناء نقرأ عن مطالب وزير التنمية اﻹقتصادية ورجال اﻷعمال وحكومتهم بأن يتم الربط بين زيادة اﻷجور ورفع مستوى اﻹنتاج – بحيث ﻻيزيد أجر العامل إﻻ إذا تحققت مكاسب أكثر وزاد اﻹنتاج – وهومبدأ معقول – لكنه هلامى ويصعب قياسه وقد يستحيل تطبيقه بعدالة.

اليكم حل بسيط جداً وعملى وسهل لمشكلة اﻷجور:

النسبة القصوى
نظام النسبة القصوى تطبقه كثير من دول العالم – وهو أكثر الحلول فى تطبيق العدالة فى توزيع الثروة بين الشعب وأكثرهم تحفيزاً على زيادة اﻹنتاج وتحسينه
يقضى ذلك النظام الرائع بتحديد نسبة ﻻيجوز تجاوزها بين أقل أجر وأكبر أجر فى أى شركة أو مصنع أو مؤسسة أو وزارة
فمثلاً نسبة 20:1 تعنى أن أقل أجر فى شركة ما لو كان 1000 جنيه فإن أجر رئيس مجلس اﻹدارة سيكون 20 الف جنيه – فإذا أراد اﻷخير زيادة أجره فعليه أن يرفع أوﻻً أجر أقل عامل لديه بنفس النسبة اتى يرغبها لنفسه – فلو أراد 40 الف جنيه فعليه أن يرفع أجر أقل عامل الى 2000 جنيه – وهكذا

هذا النظام مرن وعملى جداَ – فلو كانت الشركة تكسب فالخير يعم على الكل من أصغر عامل حتى مجلس اﻹدارة – ولو حققت الشركة خسائر تشارك الكل فى تحمل النتائج – فهو نظام يشعر العاملين أنهم فى قارب واحد – لذلك تجد الجميع لديهم رغبة مشتركة فى تحسين اﻹنتاج وزيادته
ولو حدثت زيادات فى أسعار المعيشة سيشعر بها الكل – وصانع القرار لو رأى ضرورة زيادة اﻷجور لتتماشى مع زيادات اﻷسعار فسيكون عليه رفع أجر الجميع ليتمكن من رفع أجره

وفى هذا النظام يتحدد معاملين: واحد ثابت واﻷخر متغير
المعامل الثابت هو النسبة بين أقل وأكبر مرتب فى المنشأة
والمعامل المتغير هو معامل الضرب – وهو مايمثله مرتب أقل عامل فى المنشأة
مثال:
دولة تطبق نسبة 30:1
هذا هو المعامل الثابت – وهو ﻻ يتغير تحت أى ظرف من الظروف – وينطبق على كل منشآت الدولة والقطاع العام والخاص
أما المعامل المتغير فهو يترك لكل منشأة لتقرره على حدة
المعامل المتغير: هو أجر أقل عامل فى المنشأة
فلو العامل المبتدئ فى مصنع ما يتقاضى 1000 جنيه – ﻻ يستطيع أحد فى ذلك المصنع تقاضى أكثر من 30 الف جنيه – فإذا زاد اﻹنتاج وتحقق فائض مادى أكبر وقررت اﻹدارة زيادة اﻷجور بنسبة 10% مثلاً – سيتقاضى أقل عامل 1100 جنيه ويتقاضى رئيس مجلس اﻹدارة 33 الف جنيه – وهكذا مع كل زيادة ترتفع أجور الجميع بنفس النسبة من أصغر عامل حتى رئيس مجلس اﻹدارة

العامل الثابت مختلف مابين دولة وأخرى – لكنه يتراوح فى الغالب بين 10:1 و 20:1 وقد يصل فى دولة تطبق أقصى عدالة فى توزيع اﻷجور الى 7:1 لكن بعض الدول ﻻتطبق هذا النظام فتجد النسبة صارخة وتصل أحياناً الى 200:1 مثلما يحدث فى أمريكا مثلاً – لكونها راسمالية متوحشة وسطوة رأس المال ونفوذ رجال اﻷعمال فيها بلا حدود – لكن كل هذا ﻻيمكن مقارنته بما يحدث فى مصر – إذ تصل النسبة بين أقل وأعلى أجر الى 10000:1 نعم الرقم صحيح – واحد الى عشرة آﻻف – إحسبها بنفسك: فهناك من يقبض 200 جنيه فى الشهر بينما هناك من يقبض 2 مليون جنيه فى الشهر (هذه النسبة متفائلة ﻷن الواقع يقول أن هناك من يحصل على 80 جنيه فى الشهر مثل مستحقى معاش السادات والضمان وغيرهم – ولو حسبنا هؤﻻء ستقفز النسبة الى 25000:1 – نعم – واحد الى 25 الف) وهو نظام ظالم ﻷقصى درجة – وﻻ أتصور وجود دولة فى العالم تعامل أبناءها بمثل هذا الظلم الساحق الماحق شديد القسوة عديم اﻹنسانية

وبمناسبة الحديث عن أصحاب المعاشات – يمكن تطبيق نفس النظام بين جميع قطاعات الشعب – وإن كان من الضرورى أن تكون النسبة أقل بكثير – 5:1 مثلاً
ﻷن إحتياجات المسنين واحدة – وﻻ تختلف لو كنت وزير أو غفير – فكلنا عندما نكبر نحتاج الى علاج ودواء وطعام وكساء – والدولة يجب أن تكرم المسنين بغض النظر عن مكانتهم أو نفوذهم السابق – ولو طبقنا نسبة عادلة مثل 5:1 لن نجد من يتقاضى معاش 80 جنيه وآخر يتقاضى 20 الف جنيه أو أكثر – ولو أراد صانعى القرار تأمين مستقبلهم بزيادة معاشات أقرانهم سيكون لزاماً عليهم زيادة كل معاشات الدولة بنفس النسبة التى يريدونها ﻷنفسهم

ومن أجمل مزايا نظام النسبة القصوى أنه يجهض إدعاءات رجال اﻷعمال وحكومتهم بضرورة اﻹنتظار حتى يتم تحقيق فائض قومى أوﻻً – متحججين بأن الميزانية ﻻ تسمح فى الوقت الحالى – إذ أن نظام النسبة القصوى ﻻ يتطلب تحقيقه وجود أى فائض فى دخل الدولة – وإنما هو مجرد إعادة توزيع عادل لميزانية اﻷجور – مهما كان هناك عجز فى الميزان التجارى والدخل القومى أو مستوى الجودة أوفائض اﻹنتاج أو التصدير – فكل تلك العوامل تؤثر فقط على المعامل الثانى (أدنى أجر) وﻻ علاقة لها من قريب أو بعيد بنظام النسبة القصوى والذى يعنى فقط عدالة توزيع اﻷجور

فلسنا فى حاجة الى البحث فى الميزانية عن فائض يمكننا من زيادة اﻷجور – وإنما كل مايتوجب علينا فعله هو أن نأخذ من أصحاب المرتبات المليونية لنعطى أصحاب المرتبات الشحاتينية – سأضرب لكم مثال بسيط:

  • تخيل لو منشأة – وزارة أو هيئة أو شركة – بها مثلاً 10 آﻻف عامل – منهم 20 فرد يقبضون من 200 الف الى 2 مليون جنيه فى الشهر – بمتوسط مليون جنيه – أى 20 مليون جنيه
  • لو خفضنا مرتبات هؤﻻء العشرين لتصبح مابين 20 و200 الف جنيه بمتوسط 100 الف جنيه للفرد – سيصبح لدينا فائض 18 مليون جنيه
  • لو وزعنا هذا الفائض على العمال لحصل كل عامل على 1800 جنيه زيادة فى أجره
  • لو مرتب العامل كان 200 جنيه – سيصبح 2000 جنيه – أى زيادة 1000%
  • كل هذه الزيادة لم تشكل أى عبئ على الميزانية وﻻ أى إعتمادات جديدة – وﻻ مليم واحد
  • النسبة التى طبقت فى هذا المثال هى 50:1 وهى نسبة كبيرة تحقق أجور عالية – لكن ليست جنونية – لكبار المسئولين – بينما تحقق لباقى العاملين مستويات معيشة آدمية تجعلهم يعيشون ويأكلون ويشربون كباقى الناس

يتحجج الوزراء وأبواق الحكومة دوماً من أى أى زيادة فى المرتبات ﻻ يقابلها زيادة فى الدخل القومى ستؤدى الى مزيد من التضخم وإرتفاع اﻷسعار – وهو منطق عجيب وشديد القبح والظلم اﻹنسانى – إذا لماذا يتعين فقط على الفقراء ومحدودى الدخل البقاء فقراء حتى ﻻيتمكنوا من الشراء وبالتالى رفع اﻷسعار – بينما برتع رجال اﻷعمال والمسئولين فى منتجعاتهم وطائراتهم الخاصة وسياراتهم الفارهة ؟! هل يتوجب على محدودى الدخل أن يظلوا جوعى وغير قادرين على الشراء حتى يحافظوا على مستويات اﻹنفاق؟ هل كل ماتعلمه جهابذة اﻹقتصاد فى الحكومة الذكية أن محاربة التضخم تكون بتحويع المواطنين وإبقاءهم غير قادرين على الشراء؟ أى مدارس وأى جامعات علمتهم هذه الصفاقة والجهل وإنعدام الحياء؟  أى نوع من الكتب كان يقرأها هؤﻻء المسئولين ياترى؟

الى كل هؤﻻء نقول أم نظام النسبة القصوى ﻻيزيد الدخل العام ولكن فقط يعيد توزيعه بعدالة بين المواطنين – فليس له تأثير سلبى على التضخم – بل يعمل على زيادة القوة الشرائية التى تنعش أى إقتصاد وتحرك اﻹقتصاديات الراكدة وتدفع الى زيادة عجلة اﻹنتاج وتحفز على رفع مستوى الجودة وتحقق الرخاء لكل قطاعات الشعب

لكن عندما ينتشر مناخ الفساد فى أى مجتمع فإن عوامل مختلفة تماماً تتحكم فى طريقة تفكير صانع القرار
فى مثل تلك الظروف ﻻتصبح الرفاهية العامة وﻻ العدالة بين طبقات الشعب هى الهدف الذى يعمل المسئولين على تحقيقه – لكن يصبح اﻷهم الدفع بسخاء لمن يوافقون على الفساد ويرعونه – وعلى بيع ضمائرهم واﻹشتراك فى الحلقة الجهنمية لنهب ثروة البلاد أو تسهيل اﻹستيلاء عليها – مقابل أجور سخية
إذن فى ظروف الفساد والعفن اﻹنسانى والخنوع الشعبى تتحول اﻷجور الباهظة للمسئولين من اﻹسثتثناء الى ضرورة حتمية ﻻ يمكن الحياد عنها – من أجل إستمرار الفساد ورعايته وتسهيل نهب ثروات البلاد

وهناك عامل آخر أشد دناءة – وهو رغبة الطغاة الدائمة فى أن يظل الناس فى معاناة من شظف العيش والحرمان والجوع والفقر والمرض والجهل – حتى يصير شغلهم الشاغل هو كيفية تدبير لقمة العيش أو قرص الدواء – بدﻻً من التفكير فى التغيير والمطالبة بالحرية والعدالة
وهذا الوضع البائس متحقق بإمتياز – فبالنسبة للمواطن البسيط – فإن تلك اﻷمور من الرفاهيات التى ﻻوقت لديه للتفكير فيها – ولذلك ﻻنرى وﻻ أعتقد أننا سنرى ابداً أى تحرك شعبى للمطالبة بالغيير أو الحرية والعدالة – وإنما فقط مطالبات فئوية قصيرة النظر للمطالبة بإمتيازات مادية لعمال هذا المصنع أو تلك الشركة – وعندما تلقى اليهم الحكومة بضعة جنيهات يعودوا الى جحورهم قاضمين بأسنانهم فى سعادة غريبة على العظم الذى القته الحكومة اليهم

شارك هذا الموضوع
error

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.