إزالة الحشو = إزالة الشرح

كتب وزارة التعليم زمان كانت كبيرة الحجم لأنها كان بها شرح وافى لكل درس – وعندماً بدأ أولياء الأمور يشتكون من كبر حجم الكتب وكمية الدروس المكدسة بها – قامت وزارة التعليم بأغرب شئ ممكن تخيله: قامت بحذف الشرح وأبقت كمية الدروس هى هى!
فأنت اليوم عندما تفتح مثلاً كتاب رياضيات ستجد أن مؤلف الكتاب بدلاً من أن يبدأ الدرس بالشرح تجده يبدأه بأن يسأل الطالب أسئلة كان الطالب يتوقع أن يجد إجاباتها فى الكتاب – كون الدرس يتناول موضوعاً جديداً عليه! وبالتالى يستحيل على الطالب أن يفهم شيئاً ولا حتى ولى أمره يستطيع أن يفهم – وبالتالى يكون الحل الوحيد هو شراء الكتب الخارجية – وكلنا نعلم أنها كتب ضحمة الحجم وذلك لأن بها شرح وافى لكل درس فى المنهج

مثل هذا التفكير المتخلف يستحيل أن تجده إلا فى مصر أم الدنيا وأم العجائب!
كان المفروض أن تقوم الوزارة – لا بحذف الشرح – لكن بحذف التكرار فى مناهج السنوات الدراسية المختلفة – فأنت تجد مثلا فى كتاب تاريخ أن على الطالب أن يدرس فى كتاب واحد فى تيرم واحد العصر الفرعونى والعصر اليونانى والعصر القبطى والعصر الإسلامى – وكم رهيب من الأسماء والتواريخ والحقب الزمنية الشاسعة – ويعطى الطالب مجرد قشور عن كل حقبة – وكأن عليه فقط لا دراسة التاريخ دراسة جادة ولكن فقط المرور عليه مر الكرام وفقط حفظ أسماء وتواريخ ومواقع ومدن – وبعد ثلاث سنوات تجد منهج التاريخ يتناول كل تلك العصور مرة أخرى – وفى سنة تالية يفاجأ الطالب بنفس العصور مرة تالتة – كان المفروض أن تعدل المناهج ,ان يكون إزالة الحشو بتدريس الموضوع مرة واحدة للطالب فى سنة واحدة من مراحل الدراسة – وأن يشتمل المنهج على حقبة محددة قصيرة – مما يتيح التوسع فى شرح تلك الحقبة مما يحقق متعة للطالب وتركيزا مفيداً يشعره بعبق التاريخ بكل تفاصيله وعبره – مما يحعله لاينسى مادرس بسهولة
نفس الأمر بالنسبة لباقى المواد – فكتب العلوم مثلا تجد فى الكتاب الواحد مايحتاج 6 سنوات دراسة على الأقل – ونظريات علمية فى غاية الأهمية خصص لها الكتاب سطر واحد أو سطرين!!! – بينما الطالب مجبر على الإنتهاء من كل شئ فى تيرم واحد – مما لايجعله يتعمق فى فهم أى من تلك المواضيع
هذا هو الحشو الحقيقى الموجود فى كتب الوزارة
لا أحد يريد أن يعالج المشكلة الحقيقية: التكرار عام وراء عام – وتكديس الكتب بكم رهيب لكن سطحى من الدروس – والنتيجة أ، الطلبة يفهمون شيئاً ولا يوجد لديهم الوقت حتى أن يحاولوا – وإنما عليهم أن يحفظون فقط إجابات الأسئلة المتوقعة – مما أفقد التعليم متعته وجعلنا أضحوكة وسط الأمم

واليوم خرج علينا وزير التعليم بقرار جديد عجيب وهو تعديل المناهج من العام الجديد 2010-2011
عندما قرأت الخبر فى المصرى اليوم تفاءلت خيراً وقلت ربما يبدأ الوزير فى عمل تعديل حقيقى ينقذ التعليم فى مصر – ولكننى للأسف صدمت بعد قراءة التفاصيل – فالتعديل الذى يقصده سيادة الوزير ما هو إلا حذف المزيد من الحشو – أى المزيد من التشويه للمناهج والمزيد من الغموض فى الشرح والمزيد من إستبدال الشرح بالأسئلة!!!

قرر الدكتور «أحمد زكى بدر» وزير التربية والتعليم، تعديل المناهج المقررة على طلاب الصفوف التعليم الأساسي والثانوي، بدءً من العام الدراسي المقبل (2010 –2011)، على أن يتم ذلك من خلال حذف الحشو الزائد فى الكتب الدراسية المقررة، والتي تم توزيعها على المديريات، بنسبة 100% للفصل الدراسي الأول، و70 % للثاني.

وقال الدكتور عادل شكري، مستشار الوزير للتطوير الإداري، في تصريحات لـ«المصرى اليوم» إنه جارى حاليا “تنقيح” وتنقية كافة المناهج بمراحل التعليم من الصف الأول الابتدائي وحتى الثالث الثانوي، بحيث لا تحتوى على حشو زائد، ترهق الطالب، مشيرا إلى أنه سيتم توزيع بيانات بالأجزاء التى سيتم حذفها مع بداية العام الدراسي الجديد، على المديريات التعليمية، التى ستوزعها بدورها على المدارس التابعة لها.

وأضاف شكري:”سيتم مراعاة ذلك فى الكتب الدراسية، بدءً من العام الدراسي (2011 – 2012)؛ حيث إن كتب هذا العام كانت مطبوعة من العام الماضى، وبالتالى من الصعب طباعة غيرها، بسبب التكلفة”، مؤكدا أن جميع الكتب المقررة على الصفوف الدراسية سيتم مراجعتها تباعا، بما يراعى مصلحة الطالب والمادة العلمية، لخدمة المنظومة التعليمية.

وأشار شكرى إلى أن تطوير المناهج لن يقتصر على المدارس الحكومية فقط، وإنما ستشمل مناهج المستوى الرفيع واللغات فى المدارس الخاصة، والتجريبية.

لم يفكر الوزير فى هذا الحذف طوال العام السابق – وإنما لسبب غامض هفته نفسه فجأة أن يحذف أجزاء من الكتب بعد أن تمت طباعتها بنسبة 100% !!!

لماذا يحدث كل هذا العبث فقط فى مصر دوناً عن بقية الكرة الأرضية؟
هل كل خبراء التعليم فى مصر أغبياء ولا يوجد فيهم عاقل واحد يفهم؟
أم أن الأمر متعمد؟
ماذا يراد بمصر؟ تخريج أجيال فاشلة لاتفهم شيئاً؟
هل مثل تلك المناهج المكررة السطحية الخالية من أى تعمق قادرة على تكوين قاعدة من علماء المستقبل؟
هل تحويل التعليم فى مصر الى مجرد سباق للحصول على أعلى الدرجات وسباق للدخول الى كليات القمة وكله من خلال الدروس الخصوصية – هل هذا ما يعد مصر لتتبوأ أى مكانة بين الدول فى العصر الحادى والعشرين؟
لمصلحة من كل هذا التشويه والتخريب فى حاضرنا ومستقبل أولادنا؟
هل هو مجرد جهل من وزراء ومستشارين وخبراء متخلفين عقلياً؟ أم أن كل شئ مخطط له ومعد بدقة لكى لا تقوم لمصر قائمة لمصلحة .. أولاد العم؟

تأمل معى أخى القارئ:
ما هى الكلية الأكثر تأثيراً فى المستقبل العلمى لمصر؟
إنها كلية العلوم – التى خرجت علماء أفذاذا مثل أحمد زويل و فاروق الباز وغيرهم
كليات العلوم لاتلقى أى إقبال من الطالب المصرى
اللهاث كله وراء الطب والهندسة والبترول و والصيدلة
الأهل لايحفزون أولادهم على المشاركة فى صنع مستقبل أفضل لمصر – بل يحفزونهم على صنع ثروة أسرع
والدولة تساعد على أن ينفض الناس أكثر من حول كليات العلوم – فخريجى العلوم لايلقون أى تكريم ولا وظائف ولا مرتبات محترمة – وغاية الأمر أن يعمل خريجوها مدرسين فى المدارس!
مستقبل مصر مرتبط بتكوين مخترعين – وكليات العلوم هى الأقدر على تخريج هؤلاء – لكن الكل مغيب وبعيد تماماً عن هذا النوع من التفكير الجاد فى مستقبل مصر بلدنا
الحكومة والمسئولين وأولياء الأمور والطلبة كلهم مشتركين فى لعبة خطيرة ستجعل مصر فى قاع الأمم بأسرع مما نتصور – بينما عدونا على حدودنا يوفر لأبنائه أفضل تعليم ويخصص ميزانيات هائلة للأبحات والمعامل والتجارب ويهتم بجامعاته لتصبح على رأس أفضل جامعات العالم
الهوة تتسع – هم يعلون ونحن نهبط – وأخشى أن يأتى يوم يصبحون فيه السادة ونحن العبيد – وطالما لدينا وزير كزكى بدر وأمثاله – فلا أستبعد أن نصل الى هذا الوضع المهين المذل بأسرع مما نتصور

شارك هذا الموضوع
error

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.