برامج المطبخ المصرية نموذج للتخلف العقلى

إبتدعها الشيف أسامة – ثم قلده عشرات الشيفات فى مختلف القنوات الفضائية
هى أسهل طريقة ﻹصابة المشاهد بدوخة وغثيان – فى مقدمة للوصول الى التخلف العقلى المبكر
الطريقة هى أن يبدأ الشيف يذكر أطباق اليوم – وما أن يبدأ فى تنفيذ أول خطوة يفتح عليه السيد المخرج سيل منهمر من المكالمات التليفونية كلها تطلب وصفات أكل ﻻ عﻻقة لها بما ينفذه لنا على الشاشة من قريب أو بعيد – وإذا بالشيف ينهمك تماماً فى الرد على المتكلمة على التليفون ويسهب فى سرد تفاصيل الوصفة التى طلبتها – بينما يداه تستمر فى تنفيذ خطوات طبق اليوم – وعندما ينهى المكالمة غالباً مايكون الطبق على وشك اﻹنتهاء – فيخرجه من الفرن ويقول لنا بألف هنا وشفا !!!!

هل يمكن تصور تخلف عقلى يمثل هذا التخلف العقلى ؟
ﻻ المخرج وﻻ المعد وﻻ الشيف لديهم أدنى حس إنسانى عن الف باء المنطق البشرى الذى يقول أنه عندما تقدم شئ عليك أن تركز فيه – ﻻ أن تشتت المشاهد بسيول المكالمات التى ﻻ تمت للموضوع بصلة – ثم إن اﻷستاذ الشيف ﻻ تتوقف يداه عن العمل ويكمل الطبق وكأنه شغال فى بيتهم – وكأن المشاهدين ﻻ وجود لهم – نكرة – وتكون النتيجة أطباق لذيدة كاملة اﻹعداد أمامنا لكن لم نعلم عن طريقة إعدادها شيئاً – اللهم سوى بضعة كلمات فى البداية قبل أن تنفتح ماسورة المكالمات علينا

برامج المطبخ المصرية هى نموذج صادم لطبيعة الفكر والمنطق المصرى السائد لدينا لﻷسف – فقد ﻻحظت أن زوجتى غير مهتمة بنقدى لتلك الطريقة التى بقدمون بها اﻷطباق – فالمشاهد المصرى من كثرة ماتعرض لبرامج تشع بﻻهة وتخلف فقد الحس السليم ولم يعد تفرق معه تشويه عقله والعشوائية والتخبط وإنعدام الفكر والمنطق فيما يقدموه لنا على الشاشة

قارن بين برامج المطبخ المصرية وبين برامج المطبخ فى باقى دول العالم – شاهد مثﻻً قناة فتافيت المتخصصة فى برامج المطبخ ووصفات الطعام – كل برنامج من برامجهم عبارة عن لوحة من الفن الراقى – قمة فى التصوير واﻹخراج وترتيب اﻷفكار – وﻻ توجد حتى ذبابة واحدة نطلب الشيف على التليفون لتطلب منه وصفة الشهر اللى فات عشان عندها عزومة بعد شوية ومستعجلة عليها
إنه الفرق بين عالمنا وعالمهم – نحن نسبح فى بكابورت من التخبط والتخلف والعشوائية فى التفكير والتركيز والتخطيط – بينما فى عالمهم كل شئ مخطط له – والجو كله يساعدك على اﻹستمتاع بمنظر اﻷطعمة الشهية – والخطوات واضحة ومبسطة وسهلة
لقد إبتدع الشيف المصرى بدعة لبس قفازات بﻻستيك فى بدبه طوال تنفيذ الطعام – وهى طريقة قذرة جداً – ﻷن الشيف المحترم – وأمام المشاهدين – يستخدم القفاز أو الجوانتى فى مسح سطح المطبخ – وبنفس الجوانتى يقطع ويقشر ويحمر – بدون تغيير الجوانتى طوال الحلقة – ثم إنها طريقة خطرة جداً ﻷنه فى حالة إقتراب الجوانتى من النار قد يشتعل بسرعة ويحرق اليد كلها
الطريقة اﻷفضل هى الطريقة الطبيعية – وهى مانراه فى البرامج اﻷجنبية لطهاة العالم – فهم يستخدمون أيديهم بدون قفازات طبعاً – وبجواره صنبور مباة يغسل يديه وينشفها فتبرق من النظافة قبل وبعد كل خطوة – ويستخدم فوطة لتجفيف اليدين وفوطة أخرى لمسح سطح المطبخ وليس بيداه أو قفازه أوجوربه كما يفعل شيفات مصر المحترمين
وهناك قناة أخرى رائعة إسمها Food Network لكنها مشفرة وتستلزم اﻹشتراك فى الباقة
حتى التليفزيزن اللبنانى نشاهد فيه برامج مطبخ جميلة ومنسقة – وﻻ يوجد فيها أراجوزات يطبخون ويردون على التليفونات فى نفس الوقت – إذن هذا التخلف الذى يحيط بنا هو صناعة مصرية خالصة – ننفرد بها دون غيرنا فى الوطن العربى – إننا أشبه بطفل أحضر له والده لعبة جديدة فراح يطبل ويهلل ويمﻷ الدنيا ضجيجاً بلعبته الجديدة – تماماً مثل هؤﻻء الشيفات والمخرجين والمعدين والمصورين – قدموا من قراهم البسيطة التى تتسم أحدائها دائماً فى أذهانهم بالضجيج – الموالد واﻷفراح والطهور والحنة والسبوع والطبول والزمامير والشخاليل – كلها مرتبطة بالميكروفونات والضجيج والصياح – ووجدوا أنفسهم فجأة أمام أجهزة حديثة لم يروها من قبل – كاميرات وإضاءات وديكورات وميكروفونات وستوديوهات وسويتشات وتليفونات وكمبيوترات – يمكنهم أن يصدروا بها ضجيج أعلى وأكبر مما كان فى إستطاعتهم فى البلد – ومن هنا جاءهم الفرج وأصبحوا قادرين على إصدار ضجيج وصخب قومى يشاهده كل المصريين – بل يمكنهم أن يغطوا العالم العربى كله ضجيجَا وهوساً وعشوائية – بعد أن كانت قدراتهم قاصرة على عدد ساكنى قراهم فقط
لم يجد هؤﻻء من يعلمهم أصول العمل اﻹعﻻمى – ببساطة ﻷن القائمين على العمل اﻹعﻻمى فى مصر بلديات – أى من القرى المجاورة – وبالتالى فاﻹعﻻم المصرى غرقان لشوشته فى قواعد القرية المصرية – وبعيد تماماً عن دقة العمل اﻹعﻻمى – الفﻻح المصرى عندما يحدد ميعاد يقول لك “نتقابل بعد العشا” – نفس الطريقة تجدها فى القنوات المصرية – البرامج المصرية ﻻ يمكن تحديد أوقاتها – طوال 50 عام هى عمر التليفزيزن المصرى – لم يتمكن أحد من عرض برنامج أو مسلسل أوفيلم واحد فى وقته المعلن – حتى نشرات اﻷخبار – التى تضبط ساعتك عليها فى كل قنوات العالم – ﻻ تيدأ فى موعدها فى مصر!

المصرى فﻻح بالطبيعة والنشأة – وهذا ﻻ يعيبه فى شئ – لكن ينقصه أن يدرك أن كل مجال وله أصوله – وأن طبيعة حياة القرية ﻻ يمكن أن نطبقها فى مجاﻻت متخصصة كاﻹعﻻم والبحث العلمى مثﻻً – عندما ينتقل الفﻻح من قريته الى مصر – يطبق قواعد اللعب القروى – وﻻ يجد من يلقنه ويعلمه قواعد اللعبة الجديدة – ﻷن القائمين عليها أنفسهم قرويون ولم يجدوا بدورهم من يعلمهم شيئاً – وﻷن رجال الجيش الذين إستولوا على الحكم وصارت مقدرات الوطن كله فى أيديهم – نبذوا تماماً فكرة إستخدام ذوى الخبرة والعلم وإعتمدوا فقط على المصالح الشخصية والوسايط فى تعيين ذوى الثقة والمنفعة المتبادلة فى أهم مناصب الدولة وفى جميع مجاﻻت الحياة المصرية تقريباً – ومازلنا نعيش هذا الكابوس حتى اليوم – فﻻ علم وﻻ خبرة وﻻتخصص يشفع لك – كل ذلك مهان وتحت أحذيتهم الﻻمعة
لكن تأمل نفس هذا القروى البسيط عندما يهاجر ويعمل فى الخارج – يجد قواعد اللعب واضحة وصريحة – ويجد من بعلمه أصول العمل الجديد من دقة وإلتزام وحرفية – فيتحول ذلك القروى البسيط الى أحمد زويل وفاروق الباز وآﻻف غيرهم من المصريين القرويين الذين عملوا فى مجاﻻت متخصصة فى الخارج وأبدعوا فيعا ﻷنهم تركوا قواعد اللعب القروى وتعلموا قواعد اللعب اﻹعﻻمى أو البحثى على يد متخصصين وفى جو تسوده الجدية والدقة والحرفية العالية – فنبغوا وتفوقوا وحصلوا على اعلى اﻷوسمة العالمية وتقلدوا أرفع المناصب – بينما هم أنفسهم لو كانوا مازالوا فى القاهرة لما إستطاعوا تحقيق عشر ماحققوه فى الخارج

2 تعليقان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *